لكل سورة من سور القرآن الكريم مقصد وغاية، ومعرفة أسباب النزول تساعد المسلم على فهمها وتدبر معانيها. ويبحث كثير من المسلمين عن سبب نزول سورة النساء، سواء طلاب العلم الشرعي أو من يريد التفقه في أحكام دينه، لما تحمله هذه السورة الكريمة من تشريعات أساسية تتعلق بالمرأة والأسرة والمجتمع الإسلامي.
في هذا المقال، سنتعرف على أسباب نزول آيات سورة النساء وسبب تسميتها، وأبرز أسباب نزول بعض آياتها، ونوضح علاقتها بحقوق المرأة والميراث، مع استنباط أهم الدروس المستفادة منها.
مقدمة عن سورة النساء ومكان نزولها
سورة النساء هي السورة الرابعة في المصحف الشريف، وهي من السور المدنية التي نزلت بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، ويبلغ عدد آياتها 176 آية، مما يجعلها من السور الطوال في القرآن الكريم.
وقد جاءت مكملة لما سبقها من سور كبرى مثل البقرة وآل عمران، لترسخ مبادئ العدل والمساواة، وتوضح مكانة المرأة وحقوقها في الإسلام.
وقد جاء نزول سورة النساء في مرحلة مهمة من بناء الدولة الإسلامية، حيث بدأت الحاجة إلى تنظيم شؤون المجتمع، ووضع تشريعات تحفظ الحقوق وتحقق العدل، خاصة فيما يتعلق بالأسرة والمرأة واليتامى.
لهذا اعتبرها العلماء مرجعًا مهمًا في بناء التشريعات الإسلامية التي تحفظ استقرار المجتمع وعدله.
ما هو سبب تسمية السورة بـ"النساء"؟
سُميت هذه السورة بـ "سورة النساء لكثرة ما ورد فيها من أحكام تتعلق بالنساء والأحوال الشخصية، حيث تناولت السورة العديد من القضايا الإجتماعية الهامة، مثل حقوق المرأة واليتامى، وضوابط الزواج، والعدل بين الزوجات، وأحكام المواريث، بالإضافة إلى الحديث عن المنافقين وأهل الكتاب.
سبب نزول سورة النساء
لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم سببًا لنزول سورة النساء بصفة عامة، إلا أن علماء التفسير بيّنوا أن نزولها كان مرتبطًا بشكل كبير بأحداث ما بعد غزوة أحد، حيث استُشهد عدد كبير من المسلمين وتركوا أرامل ويتامى، فنزلت السورة لتبين حدود التعامل مع النساء واليتامى بالعدل وتحفظ حقهم.
ومن يمكن القول أن سبب نزول سورة النساء هو معالجة هذه القضايا الواقعية، إذ ا وضعت قواعد العدل في التعامل مع المرأة واليتيم، ونظّمت شؤون الزواج والميراث، وأكدت على أداء الأمانات، وحفظ الحقوق داخل الأسرة والمجتمع.
وبذلك يتضح أن سبب نزول سورة النساء كان استجابة ربانية لحاجة المجتمع المسلم إلى تشريعات تحفظ كرامة الإنسان، وتُقيم العدل، وتُرسّخ مبادئ الرحمة والمسؤولية الاجتماعية، بما يُحقق الاستقرار الأسري والتماسك المجتمعي.
أبرز أسباب نزول الآيات في سورة النساء
هناك العديد من آيات سورة النساء التي بينت علماء التفسير سبب نزولها ومن أبرزها:
آية اليتامى والوصاية عليهم
- قال تعالى: "وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا" [النساء: 2].
- نزلت في رجل كان واصيًا على مال ابن أخيه اليتيم، ورفض أن يعطيه ماله عندما بلغ واحتكما إلى رسول الله، فنزلت الآية لحفظ حقوق اليتامى والتحذير من أكل أموالهم ظلمًا.
آية الزواج من اليتامى وتعدد الزوجات
- قال تعالى: "إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ، وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا" [النساء: 3].
- نزلت الآية في يتيمة كانت تحت رعاية وليها وأراد أن يتزوجها رغبة في جمالها ومالها بدون أن يدفع لها مهرا، فجاءت الآية لتنهى عن ذلك وتقنن التعدد بعد أن كان غير محدود في الجاهلية، فجعل الله الحد الأقصى أربع زوجات بشرط العدل.
آية الميراث
- قال تعالى: "لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا" [النساء: 7].
- كانت من عادة الجاهلية أنهم لا يورثون النساء ولا البنات، وقد جاءت امرأة إلى رسول الله تشكو إليه أن أبناء عم زوجها منعوا عنها وعن بناتها مال زوجها المتوفى، فأنزل الله هذه الآية لتأكيد حق النساء والصغار في الميراث.
آية صلاة الخوف
- قال تعالى: "وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ" [النساء: 102].
- نزلت في غزوة ذات الرقاع حين كان يخطط المشركين للهجوم على الرسول ومن معه وقت الصلاة، فنزل جبريل وأعلم الرسول بذلك وشُرعت صلاة الخوف.
آية فضح المنافقين
- قال تعالى: "إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ" [النساء: 142].
- نزلت في قوم كانوا يتأخرون عن الصلاة مع المسلمين ويظهرون خلاف ما يبطنون، فكشف الله حقيقتهم.
ما علاقة السورة بحقوق المرأة والميراث؟
سورة النساء هي المرجع القرآني لحقوق المرأة وقضايا الميراث، إذ اشتملت السورة على العديد من الأحكام التي تخص المرأة في المهر والزواج والميراث ورعاية اليتيمات وحفظ حقوقهن.
كما وضحت بالتفصيل أنصبة الميراث لكل وارث من الذكر والإناث، لتضع حدًا للعادات الجاهلية الظالمة التي كانت تحرم النساء والأطفال من حقهم في الميراث وتؤكد على أحقية المرأة في الإرث سواء كانت أمًا، زوجة، أختًا أو ابنة.
وبهذا يتضح أن سبب نزول سورة النساء هو حماية حقوق المرأة وتنظيم الميراث وتحقيق العدل بما يحفظ التماسك الأسري والمجتمعي.
الدروس المستفادة من سورة النساء
سورة النساء مليئة بالتشريعات والقيم التي تصلح حياة الفرد والمجتمع، ومن أبرز الدروس المستفادة من:
- حفظ حقوق المرأة، واليتامى والضعفاء بما يضمن العدالة والمساواة.
- أهمية العدل في كل المعاملات سواء في الزواج أو الميراث أو القضاء، فالعدل هو أساس الاستقرار الاجتماعي.
- خطورة النفاق وأهله، إذ تناولت السورة صفات المنافقين وفضحت مواقفهم.
- أداء الأمانات إلى أهلها وإعطاء كل ذي حقٍ حقه وعدم أكل أموال الناس بالباطل.
- تصحيح العقيدة وبيان حقيقة أن النبي عيسى عليه السلام بشر، وتأكيد صحة نبوة خاتم المرسلين.
بهذا، يتضح لنا أن سبب نزول سورة النساء وما تضمنته من آيات وأحكام، كان تأسيسًا لمنظومة متكاملة تعالج قضايا الأسرة والمرأة والعدل، وتساعد على إقامة مجتمع مسلم أساسه العدل والرحمة وحفظ الحقوق.
ولذلك، فإن معرفة سبب نزول سورة النساء وتدبر آياتها ودروسها المستفادة يساعد المسلم على إدراك عظمة التشريع الإلهي، ويُعينه على تطبيق قيم العدل والرحمة في حياته اليومية.
مع مقرأة سنا اجعلي علاقتك بالقرآن أعمق وأكثر أثرًا. سجلي الآن في الحلقات المتخصصة لحفظ القرآن وتصحيح التلاوة ودورات التجويد، بإشراف معلمات ذوات خبرة وفي أجواء إيمانية تربوية مميزة، تعينك على تدبر آيات الله والعمل بها.
الأسئلة الشائعة
ما سبب تسمية سورة النساء بهذا الاسم؟
لكثرة ما ورد فيها من أحكام تخص النساء من زواج، ومهر ورعاية اليتيمات.
ما هو سبب نزول سورة النساء؟
جاءت سورة النساء لتضع أسس العدل والمساواة في المجتمع المسلم وتبين حقوق المرأة وتحفظها وتلغي عادات الجاهلية الظالمة.