إن القرآن الكريم هو دستور المسلمين الخالد ومنهاجهم الشامل، الذي أنزله الله تعالى لتنظيم شؤون حياتهم وهدايتهم إلى الصراط المستقيم. والانتفاع الحقيقي بالقرآن لا يقتصر على تلاوته فقط، بل بالعمل بما جاء فيه.
وهنا تبرز اهمية علم التفسير كجسر يربط بين النص القرآني وفهمه الصحيح وتدبر معانيه. فهو الذي يوضح المعاني الظاهرة والخفية، ويكشف أسباب النزول، ويفسر دلالات الألفاظ، ويربط بين الآيات وسياقاتها التاريخية والثقافية، ويستنبط الأحكام والحِكم الإلهية.
في هذا المقال، سنوضح تعريف علم التفسير وأهميته وفوائده، وأقسامه ومناهجه، مع عرض لأشهر المفسرين وأثر هذا العلم على العقيدة والتشريع.
ما هو علم التفسير؟
التفسير من الفعل "فسّر" يعني الكشف والإيضاح والبيان. أما في الاصطلاح العلمي، علم التفسير هو العلم الذي يوضح معاني آيات القرآن الكريم، ويكشف دلالاتها وأحكامها وفق اللغة والسياق الشرعي، ليعين المسلم على فهم كلام الله على الوجه الصحيح.
نشأ هذا العلم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حين كان يبين لأصحابه ما أُشكل عليهم من الآيات، ثم تتابع الصحابة والتابعون على ذلك، حتى دوّنت كتب التفسير وصارت علمًا قائمًا بذاته.
فوائد علم التفسير
يهدف علم التفسير إلى تحقيق عدة أغراض أساسية أهمها:
- بيان معاني القرآن الكريم.
- توضيح مراد الله من خلقه.
- استنباط الأحكام الشرعية والهدايات الربانية.
- ربط النصوص بواقع الحياة المعاصرة.
- دفع الشبهات عن القرآن والرد على المغرضين والمشككين.
لذلك يُعد علم التفسير هو الأساس الذي تقوم عليه بقية أقسام علوم القرآن، وهو الضمانة الكبرى لحفظ معاني الوحي من التحريف أو سوء الفهم.
ومن المهم معرفة الفرق بين التفسير والتأويل؛ فالتفسير يركز على المعنى الظاهري المباشر للنص القرآني، بينما التأويل يتعامل مع المعاني الباطنة والرمزية التي قد تحتملها الآيات مع الاستناد إلى الأدلة الشرعية.
اهمية علم التفسير - لماذا يعد أساسياً لفهم القرآن؟
القرآن كتاب هداية وتشريع، أُنزل بلغةٍ عربيةٍ فصيحةٍ تتضمن إشارات وسياقات تاريخية وثقافية تحتاج إلى إيضاح وبيان، ولا يمكن إدراك مقاصده العظمى إلا بفهم صحيح لمعانيه.
من هنا تبرز علاقة التفسير بفهم القرآن من خلال توضيح ما يلي:
1. فهم السياق التاريخي والثقافي الذي نزلت فيه الآيات
لفهم القرآن فهماً صحيحاً، لا بد من معرفة الظروف التي أحاطت بنزول آياته. فكل آية لها سبب نزول أو مناسبة خاصة توضح الغاية منها.
على سبيل المثال، قوله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [البقرة: 189]، فتفسير هذه الآية مُترتب على معرفة عادة الجاهلية في الإحرام لفهم المعنى المقصود.
2. معرفة أسباب النزول:
معرفة أسباب النزول تساعد في فهم الحكمة من نزول الآية، وتحديد المعنى المراد، وتطبيق الآية على الواقع المعاصر.
مثل قوله تعالى "وَلَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ" [النساء: 43]، قد يُفهم أن الخمر محرم في أوقات الصلاة فقط، ولكن بالنظر لأسباب النزول نرى أن الآية نزلت في مرحلة تحريم الخمر تدريجيًا، إذ صلى أحد الصحابة وهم في حالة سُكر فلم يفقهوا ما يقولون. فجاءت الآية أولًا لتمنع السكر وقت الصلاة، ثم تدرج التشريع حتى جاء التحريم القطعي في قوله تعالى: "فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [المائدة: 90].
3. التفريق بين العام والخاص، المطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه.
اللغة العربية بحر زاخر بالمعاني والدلالات، والكلمة الواحدة قد تحمل عدة معانٍ حسب السياق. وهنا يأتي دور علم التفسير في تحديد المعنى الأدق والأنسب للسياق القرآني. كما أن القرآن مليء بالأساليب البلاغية كالاستعارة والكناية والمجاز، وهذه الأساليب تحتاج إلى خبرة لغوية عميقة لفهمها على الوجه الصحيح.
4. توضيح المعنى المقصود من الآيات
التفسير هو الخطوة الأولى نحو التدبر الحقيقي للقرآن. فبدون فهم المعنى الأساسي للآيات، كيف يمكن للمسلم أن يتدبر ويتأمل في معانيها؟ قال تعالى: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" [محمد: 24]. والتدبر المثمر يبدأ بالفهم الصحيح الذي يوفره علم التفسير، بعيدًا عن اللبس والغموض.
5. استنباط الأحكام الشرعية التي تنظم حياة المسلم
من اهمية علم التفسير دوره الأساسي في استخراج الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات، ويقي المسلم من الوقوع في الانحراف أو الفهم الخاطئ للعقيدة .
ولهذا كان التفسير أساسًا لفهم القرآن، لأنه لا يقتصر على شرح الألفاظ والمعاني الظاهرة فحسب، بل يربط النص القرآني بالواقع ويبين كيف يُترجم إلى سلوك وعمل.
أقسام التفسير وأهم مناهجه
ينقسم علم التفسير إلى أقسام متعددة حسب المصدر والمنهج المستخدم، وكل قسم له خصائصه وضوابطه العلمية التي تضمن الوصول إلى المعنى الصحيح للنص القرآني.
أقسام التفسير
1. التفسير بالمأثور (التفسير بالمنقول)
هو أشرف أنواع التفسير وأوثقها، ويعتمد على النقل من مصادر موثوقة، وهي:
- تفسير القرآن بالقرآن: وهو أعلى أنواع التفسير، حيث يفسر القرآن بعضه بعضاً. فما أُجمل في مكان قد يُفصل في مكان آخر. مثال: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6] فُسر في آية أخرى بـ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7].
- تفسير القرآن بالسنة: تفسير الآيات بما ثبت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من شرح وتوضيح. قال عليه الصلاة والسلام: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه".
- تفسير القرآن بأقوال الصحابة: خاصة الذين عُرفوا بالعلم والفقه كابن عباس وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم، فقد عاشوا أسباب النزول وفهموا المراد الإلهي.
- تفسير القرآن بأقوال التابعين: مثل مجاهد وعكرمة والحسن البصري، الذين تلقوا العلم مباشرة من الصحابة.
2. التفسير بالرأي المحمود (الاجتهادي):
وهو اعتماد المفسر على قواعد اللغة وأصول الفقه والشريعة وأسباب النزول، بشرط ألا يخالف المأثور الصحيح، وأن يكون المفسر متجردًا من الهوى والميول المذهبية.
مناهج التفسير
أما من حيث المناهج، فقد تنوعت طرق المفسرين في عرض التفسير وشرحه، ومن أبرزها:
- المنهج اللغوي: يركز على بيان معاني الألفاظ والإعراب والبلاغة.
- المنهج الفقهي: يستنبط الأحكام الشرعية العملية من الآيات.
- المنهج العقلي: يستخدم الأدلة العقلية والكلامية في التوضيح والدفاع عن العقائد مع مراعاة الضوابط الشرعية.
- المنهج الموضوعي: يجمع آيات القرآن في موضوع واحد ويفسرها كوحدة متكاملة.
أهم المفسرين في التاريخ الإسلامي
عبر تاريخ الإسلام الطويل، برز علماء أجلاء كرسوا حياتهم لخدمة كتاب الله وتفسيره، من أبرزهم:
- ابن عباس رضي الله عنه ترجمان القرآن، أخذ تفسير القرآن الكريم مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم.
- مجاهد بن جبر: من كبار التابعين، عرض مصحفه على ابن عباس ثلاثين مرة يسأله عن كل آية.
- الإمام الطبري صاحب "جامع البيان"، ويُعد من أوسع وأشهر كتب التفسير بالمأثور.
- القرطبي ألّف "الجامع لأحكام القرآن"، وهو من أبرز كتب التفسير الفقهي.
- ابن كثير كتابه "تفسير القرآن العظيم" من أكثر كتب التفسير انتشاراً واعتماداً حتى اليوم.
أثر علم التفسير على العقيدة والتشريع
القرآن الكريم هو المصدر الأول للعقيدة الإسلامية، ومن هنا تتجلى اهمية علم التفسير في الحفاظ على العقيدة الإسلامية الصحيحة، إذ يوضح الآيات المتعلقة بتوحيد الله وأسمائه وصفاته، ويحفظ المسلم من الانحراف في المعتقد.
ومن جهة أخرى يساهم في استنباط الأحكام الشرعية السليمة من النصوص القرآنية، ويعد الأساس الذي يقوم عليه علم الفقه. مثلا آية الوضوء "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ…"[المائدة: 6] تحتاج إلى تفسير يوضح كيفية الوضوء وشروطه وأركانه.
وكذلك آيات المواريث والطلاق والبيوع وغيرها، كلها تعتمد على التفسير الصحيح لاستنباط الأحكام منها، مما يجعل التفسير شريكاً للفقه في بناء الأحكام الشرعية.
وبذلك يشكّل التفسير حلقة الوصل بين النص القرآني وبين العقيدة والتشريع في حياة المسلمين.
في الختام، إن أهمية علم التفسير عظيمة، فهو الركيزة الأساسية لفهم القرآن الكريم والسبيل الصحيح لتدبر آياته والعمل بما جاء فيها من أحكام وتشريعات. ولا غنى للمسلم عن هذا العلم الهام، لأنه يعينه على فهم مراد الله تعالى، ويقوي صلته بالقرآن ويُمكنه من التمسك بالعقيدة السليمة. ومن هنا كان تعلم علم التفسير والاهتمام به من أعظم ما ينبغي الحرص عليه لمن أراد الثبات على الهداية والعمل بشرع الله.
الأسئلة الشائعة
ما هو علم التفسير؟
هو علم شرعي من علوم القرآن الكريم، يهدف إلى توضيح معاني آيات القرآن وشرحها على الوجه الذي أنزله الله.
ما هي اهمية علم التفسير؟
أبرز فوائد علم التفسير هو فهم كتاب الله وتدبره والوقوف على ما جاء فيه من أحكام وتشريعات.